الكاتب : عثمان علام |
03:53 pm 23/11/2022
| 8664
لم يحالفني الحظ لالتحق بخدمة الجيش ، كانت ظروف العائلة أنني الإبن الأكبر "العائل للأسرة"، بينما تشرف شقيقاي الإثنين "محمد وأحمد"، بالخدمة فى القوات المسلحة ، ولأنني ساهمت في تربيتهما صغاراً ، رأيت كيف تغير سلوكهما ومنهج حياتهما بعد خدمتهم العسكرية .
لم أكن أنا بطبيعة الحال بعيداً عن الثقافة الشعبية والمكنون المصري ، فقد كنت ولازلت أسمع من الأهالي والجيران ، كيف أنهم يريدون إلحاق ابنائهم بالجيش ليتعلموا الالتزام والرجولة وتحمل المسئولية ، وبالفعل رأيت كيف تحولت ثقافة الشباب بعد خدمتهم في قواتهم المسلحة ، وكيف أضحوا رجالاً وكأن الحياة اكسبتهم خبرات مائة سنة على الأقل .
وللمهنة تداعياتها وظروفها ، فلم تنقطع علاقاتي يوماً بأشخاص من قادة هذا الجيش العظيم ، وعندما كبرت أدركت كيف أن القرب منهم يضيف إليك الكثير ويصقل خبراتك أيضاً .
لازلت أسمع عن الفرق بين الجندي الحديث والجندي القديم ، ولازلت اسمع عن ثقافة القوات المسلحة التي تُطبق فينتج عنها رجالاً أشداء في البنيان والشخصية والفكر .
لكن المثل يقول : ليس من رأى وعاش كمن سمع وحُكي له ، حتماً من عاش التجربة ليس كمن سمع عنها ، وبقدر الاستطاعة تحاول أن تتعلم وتحكي عن الالتزام والوحدة وجمع الشمل .
منذ يومين التقيت اللواء عبدالباسط السايح ، رئيس الشركة الوطنية لتنمية واستكشاف البترول ، ورئيس شركة البحر الأحمر للبتروكيماويات ، الصراحة فكرت كثيراً وأنا من يلتقي فى اليوم عشرات الشخصيات ، وتسآلت: كيف سيتم إدارة الحوار مع شخص بهذا الحجم والثقافة والقوة ، رجلاً جمع بين الثقافة العسكرية والمدنية معاً ، جمع بين خبراته فى الجيش وبين الخبرات العملية في مجالات الهندسة وتدشين المشروعات !
وبطبيعتي وأنا شخص لا تنقصني الشجاعة ، فقد اعتدت ذلك منذ أن قررت أن أكون صحفياً ، التقيت الرجل ، حاولت قدر المستطاع أن اطبق ما سمعت وما عرفت عن ثقافة القوات المسلحة ، رغم أنني لست بصغير السن ولا قليل الخبرات ولا مجنداً حديث بالجيش ، سألت اللواء السايح : أين أجلس ؟، لكن وبعد لحظات من بدء الحديث ، أخذني الرجل في جو مليئ بالود والحب والدفء ، يبدو أنه ادرك بذكاءه المعهود ، حيرتي منذ أن دخلت عليه.
أخذ هو طرف الحديث الذي دار لساعات وصلت لأكثر من180 دقيقة ، تحدث في كل شيئ ، ادركت وأنا اجلس معه كيف أن الجيش يعني الالتزام ، فكرة تأخير خطوة أو تقديمها لا يأتي عبثاً ، أن تسمع ثم تتحدث ، أن تسمع ثم تجيب ، كل هذا يأتي بشكل مدروس ومخطط وله كتاب الجميع يسير عليه .
في حضرة اللواء عبدالباسط السايح ، كنت قلق ، أين سأجلس وكيف سأتحدث وعن ماذا اتحدث ، وفجأة وجدت شخصية مستنيرة تتحدث في كل المجالات ، و بوده المعهود جعل الحديث ممتع ومشوق وأكثر امتاعاً .
حديث كهذا يمتد لساعات دون ملل ، تعرف فيه عن رجال بلدك ومؤسسات بلدك وخبرات بلدك ، لهو حديث من القلب ، حديث فيه العظة والتوجيه والنصيحة والرشد والتعلم ، حديث عن مصر وفي حب مصر والخوف عليها وضرورة مساندتها .
ما أجمل أن تجلس مع هذا الجنرال المستنير وتستمع منه وعنه …تحيا مصر بكل رجالها المخلصين الوطنيين .